السيد محمد تقي المدرسي

39

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

- بالتالي - المؤمنون هم أصحاب البصائر ، الذين ينظرون بنور الله ، لأنهم يسملمون بأمر الله ، ولا يريدون توفيق أوامر الله مع أهواءهم ، وانما يخضعون أهواءهم لما أراد الله ، ويضرب القرآن الكريم مثلًا من قصة الجاهلين الذين نسئوا الأشهر الحرم ، فإذا أرادوا الحرب في واحد منها ، اخروا الشهر الحرام وحاربوا في الشهر الذي أرادوا ، فإذا كانت من مصلحتهم الحرب في شهر محرم مثلًا قالوا إن هذا شهر صفر ، فجعلوا شهر صفر هو شهر محرم ، لكي يجلعوا - من جهة - أهواءهم هي السائدة ، وليحققوا - من جهة ثانية - مصالحهم ومطامعهم ، ثم لكي يرضوا ضمائرهم ، أو البسطاء منهم بأنهم لا يزالون يتقيدون باحكام الله ، وانهم يلتزمون بان الأشهر المحرمة هي أربعة ، وبهذا كانوا يحورون احكام الله . حقاً انها رذيلة شائعة ، حيث إن كل من لم يرد الخضوع لاحكام الله يحاول تغييرها حتى تطابق مصالحه واهواءه ، لذلك كثرت التفسيرات والتأويلات التي نجدها شائعة بين الناس وهي التي تحرف قيم الحق ، واحكام الله والنصوص الشرعية . وهكذا نجد تجلياً من تجليات الايمان هو التبصر بنور الايمان وتحديد المواقف وفق الايمان وليس وفق الأهواء . وفي الآية - ايضاً - إشارة إلى أن هدى الله انما يؤتى الذين يسلمون الأمر لله ، اما الذين يظلمون أنفسهم في الأشهر الحرم فإن الله لا يهديهم ، ويعتبرهم القرآن هم القوم الكافرين . وهكذا حذرت النصوص الشرعية من اتباع الهوى فقد روي عن الإمام علي - عليه السلام - عن النبي - صلى الله عليه وآله - : ( وأن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وأطاع الله فدخل الجنة ، وادخل الداعي إلى النار بتركه علمه واتباعه هواه ، وعصيانه لله ، انما هما اثنان : اتباع الهوى ، وطول الأمل ، فاما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، واما طول الامل فينسي الآخرة ) « 1 » . عقبى الايمان ، الهدى والفلاح : 1 - تلك كانت حقائق الايمان ، اما عاقبة المؤمنين فهي الهدى والفلاح اللذين

--> ( 1 ) - بحار الأنوار ج 2 / ص 35 الرواية 37 ( طبعة بيروت ) .